كشفت الكاتبة رنا ممدوح في تقريرها أن مجلس النواب أقر نهائيًا مشروع قانون إعادة تنظيم هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بعد أكثر من أربع سنوات من عمل الهيئة دون إطار تشريعي معلن، في خطوة تمنحها صلاحيات واسعة لإدارة مساحات كبيرة من الأراضي والأصول المملوكة للدولة.


ووفقًا لما نشره موقع مدى مصر، فقد قدمت الحكومة مشروع القانون إلى البرلمان في 6 يوليو، متضمنًا نقل تبعية الإشراف على الهيئة من وزارة الدفاع إلى رئيس الجمهورية، قبل أن تحيله اللجنة البرلمانية المشتركة لمناقشته وإدخال تعديلات عليه.


ويمنح القانون الجديد الهيئة سلطات واسعة قد تجعلها تحل محل عدد كبير من الجهات الإدارية التابعة للدولة داخل ما يعرف بـ«مناطق التنمية المستدامة»، إلى جانب صلاحيات تجميع وإدارة أصول الدولة.


تقنين وضع استمر لأكثر من أربع سنوات


أطلقت هيئة مستقبل مصر عام 2022 بقرار رئاسي باعتبارها كيانًا اقتصاديًا تابعًا للقوات الجوية بوزارة الدفاع، إلا أن القرار لم يُنشر في الجريدة الرسمية، كما ظلت طبيعة وضعها القانوني وهيكلها الإداري وآليات الرقابة على استثماراتها وإدارة أصولها غير معلنة.


وتبع ذلك صدور قرارات رئاسية وحكومية خصصت مساحات واسعة من أراضي الدولة للهيئة، ومنحتها مسؤوليات في قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والأمن الغذائي والسياحة والتعدين والتطوير العقاري وغيرها.


ويهدف مشروع القانون الجديد إلى إضفاء إطار قانوني على تلك الترتيبات، إذ ينص على اعتبار جميع الأراضي التي نُقلت إلى الهيئة قبل صدور القانون «مناطق تنمية مستدامة» أو أراضي مملوكة للهيئة، مجهزة بالبنية الأساسية ومخصصة لتنفيذ مشروعات قومية أو اقتصادية.


كما يمنح القانون المشروعات المقامة داخل هذه المناطق الحوافز والإعفاءات نفسها الممنوحة للمناطق الحرة، مع استمرار العمل بالاتفاقيات وبروتوكولات التعاون الموقعة بين الهيئة والجهات الحكومية حتى انتهاء مدتها.


وينص القانون كذلك على استمرار العاملين المنتدبين أو المكلفين بالعمل داخل الهيئة إلى حين استكمال هيكلها التنظيمي والوظيفي، إضافة إلى إلزام الخزانة العامة بتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لسداد الالتزامات السابقة للهيئة المتعلقة بالتأمينات والضرائب والرسوم.


ويرى الرئيس السابق لمصلحة الضرائب المصرية أشرف العربي أن هذا البند يعد من أبرز مواد القانون، موضحًا أن الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية التي تنفذها الجهات المملوكة للدولة لم تعد معفاة من الضرائب والرسوم بعد إصدار قانون 159 لسنة 2023.


وأضاف العربي أن النص الخاص بتحمل الخزانة العامة للالتزامات المالية السابقة للهيئة يشير إلى أن تلك المستحقات لم تُسدد منذ بدء عملها.
هيئة بصلاحيات استثنائية وطبيعة خاصة


يمنح القانون هيئة مستقبل مصر طبيعة خاصة باعتبارها «جهة وطنية ذات طبيعة خاصة» تتمتع باستقلال فني ومالي وإداري، وتتبع رئيس الجمهورية مباشرة.


ويعفي القانون الهيئة من ثمانية قوانين تنظم عمل مؤسسات الدولة، من بينها قانون الهيئات العامة، وقانون الخدمة المدنية، وقانون التعاقدات الحكومية، وقوانين شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام.


وتسمح هذه الاستثناءات للهيئة بالعمل بعيدًا عن القيود الإدارية والمالية المفروضة على المؤسسات الحكومية، خصوصًا فيما يتعلق بالتوظيف والأجور والتعاقدات والمناقصات العامة، ما يجعلها أقرب في طبيعة عملها إلى مؤسسات القطاع الخاص.


كما يحصّن القانون العقود التي تبرمها الهيئة وصناديقها السيادية والخدمية من الطعون القضائية التي يقدمها غير أطراف التعاقد، إذ تلزم المحاكم برفض أي دعاوى أو طعون يقدمها أشخاص لا تربطهم علاقة مباشرة بالعقود.


ويصف مصدر قضائي تحدث إلى مدى مصر التشريع بأنه يشبه «قانونًا ينظم غياب القانون، مع تعليق تطبيق قوانين أخرى»، معتبرًا أن الهيئة تحصل بموجبه على اختصاصات كانت تمارسها وزارات وهيئات حكومية مختلفة.


صلاحيات واسعة لإدارة الأراضي والأصول


يمتد اختصاص الهيئة وفق القانون إلى محورين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالأنشطة الاقتصادية والخدمية التي تكلف بها، والثاني يرتبط بمناطق التنمية المستدامة التي تمنحها الهيئة وتديرها.


ويحدد رئيس الجمهورية إنشاء هذه المناطق بقرار رئاسي بناءً على اقتراح رئيس الهيئة وموافقة مجلس إدارتها، على أن يُعرض القرار على مجلس النواب في أول جلسة عامة تالية.


وبمجرد إنشاء منطقة تنمية مستدامة، تنتقل ملكية جميع الأراضي والمنشآت المملوكة للدولة داخل نطاقها إلى الهيئة، مع انتقال الحقوق والالتزامات المرتبطة بالعقود والتعاملات القائمة.


كما يمنح القانون رئيس الجمهورية صلاحية نقل ملكية أي أصول مملوكة للدولة إلى الهيئة، سواء كانت مستخدمة أو غير مستخدمة، إضافة إلى إمكانية نقل حصص الدولة في الشركات أو الشركات المملوكة بالكامل للدولة.


ويسمح التشريع كذلك بتخصيص أو تأجير ممتلكات الدولة للهيئة أو الجهات التابعة لها دون مقابل أو مقابل رمزي أو أقل من القيمة السوقية، إذا ارتبط ذلك بأهداف قومية أو استراتيجية أو للصالح العام.


ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن توسع الهيئة في المشروعات الزراعية يمثل خطوة إيجابية، لكنه حذر من إمكانية استخدام الأصول التي تنتقل إليها كضمانات للحصول على قروض أو ضمن عمليات مبادلة للديون الخارجية.


وأشار النحاس إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في إمكانية اقتراض الهيئة بضمان الأصول التي تُنقل إليها أو طرح حصص من شركاتها التابعة في البورصات المحلية والدولية لجمع السيولة، دون وجود نص واضح يضمن عودة عوائد تلك العمليات إلى الدولة أو استفادة المواطنين منها.

 

محدودية العائدات التي تعود إلى الخزانة العامة

 

رغم الإشادات التي تحظى بها هيئة مستقبل مصر بسبب قدرتها على جذب شراكات مع القطاع الخاص عبر تجميع الأراضي والأصول والموارد تحت مظلة واحدة، تظل التساؤلات قائمة حول مصير العوائد الاقتصادية الناتجة عن مشروعاتها وما إذا كان المواطنون سيستفيدون منها بصورة مباشرة.

 

ويحدد القانون موقفه من هذه المسألة، إذ يعفي الهيئة وصناديقها السيادية والخدمية من التشريع الذي يلزم بعض الجهات العامة بتحويل نسبة من أرصدتها أو فوائض موازناتها إلى الخزانة العامة للدولة.


ويمنح القانون رئيس الجمهورية صلاحية تحديد النسبة التي تُحوّل إلى الخزانة من فوائض الهيئة وعوائدها، وكذلك من فوائض الصندوقين التابعين لها، بدلًا من إلزامها بنسبة ثابتة.


وتوضح المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون أن هذه التحويلات تهدف إلى تلبية احتياجات الدولة في بعض الحالات، مثل مواجهة النفقات الحكومية الطارئة، أو تقليل عجز الموازنة، أو دعم الخزانة العامة.


ويرى الخبير الاقتصادي وعضو لجنة الصناعة السابق بمجلس النواب محمد بدراوي أن أحد أوجه القصور الرئيسية في القانون يتمثل في عدم وجود آلية واضحة تضمن وصول جزء من عوائد استثمارات الهيئة إلى المواطنين.


وأضاف بدراوي أن نجاح مشروعات الهيئة أو فشلها ليس هو القضية الأساسية، وإنما تكمن المشكلة في مصير الأرباح والعوائد الناتجة عنها، مشيرًا إلى أن القانون يُبقي إيرادات الهيئة وصناديقها الخاصة داخلها، ما يسمح بتراكمها عامًا بعد عام دون تحديد واضح لطريقة عودتها إلى الدولة أو المجتمع.


وأكد أن تحويل الأصول العامة إلى أصول تدار بصورة مستقلة يجب أن يصاحبه نص قانوني واضح يحدد نسبة من العوائد تعود إلى الدولة والمواطنين، كما يحدث في أي استثمار خاص يحقق أرباحًا لصاحبه ويسهم في الوقت نفسه في خلق فرص عمل.


إدارة ذاتية واسعة وهيكل يتجاوز الرقابة التقليدية


يدير هيئة مستقبل مصر مجلس إدارة يصدر بتشكيله قرار من رئيس الانقلاب لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، ويتكون من رئيس وعدد زوجي من الأعضاء يتراوح بين ثمانية و14 عضوًا من أصحاب الخبرات في مجالات الاقتصاد والتمويل والقانون والاستثمار.


ويحصل رئيس الهيئة على درجة وزير، بينما يمثل مجلس الإدارة السلطة العليا داخل الهيئة، إذ يمتلك نحو 34 اختصاصًا تجمع بين صلاحيات تشريعية وتنفيذية وشبه قضائية.


وتشمل هذه الصلاحيات إصدار اللوائح الداخلية، واعتماد الخطط والموازنات والسياسات الاستثمارية لصناديق الهيئة، إضافة إلى فرض الرسوم وتحديد شروط التراخيص والعقوبات المالية دون الالتزام بالقوانين المنظمة للجهات الحكومية الأخرى.


وخلال مناقشة مشروع القانون، أدخلت اللجنة التشريعية في البرلمان تعديلات تلزم الهيئة بتوضيح أسباب القرارات التأديبية ومنح المتضررين حق التظلم منها.


كما ألغت اللجنة صلاحية مجلس الإدارة في اقتراح معايير تصنيف المشروعات باعتبارها «مشروعات قومية»، بسبب مخاوف من تضارب المصالح، وألزمت الهيئة بتقديم تقريرها السنوي إلى رئيس مجلس النواب إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.


ويرى المصدر القضائي الذي تحدث إلى مدى مصر أن الهيئة تؤسس عمليًا لكيان إداري موازٍ للدولة، إذ تستحوذ على اختصاصات كانت تمارسها وزارات وهيئات عامة تخضع قوانينها للرقابة والإشراف.


وأوضح المصدر أن البرلمان لا يستطيع محاسبة رئيس الجمهورية (الانقلاب) بصورة مباشرة إلا في حالات محددة مثل الخيانة العظمى أو الإخلال الجسيم بالواجبات، بينما تتركز الرقابة البرلمانية عادة على الحكومة ورئيس الوزراء باعتباره رئيس السلطة التنفيذية.


وأشار إلى أن إنشاء جهة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة يمنحها وضعًا خارج الأطر التقليدية للرقابة البرلمانية والحكومية، خصوصًا مع تمتع الرئيس أصلًا بصلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة.


جدل حول إعادة توزيع أدوار الدولة


يرى النائب السابق محمد بدراوي أن القانون يعكس توجهًا نحو تقسيم إدارة الدولة، بحيث تحتفظ الوزارات والمحافظون ورؤساء المدن والأحياء بمسؤولية الخدمات والمرافق العامة، بينما تنتقل إدارة الأراضي والأنشطة الاقتصادية إلى هيئة مستقبل مصر.


ويعتبر بدراوي أن هذا النهج امتداد لسياسة إدارية اتبعت منذ عام 2014، اعتمدت بصورة متزايدة على نقل بعض وظائف الحكومة إلى جهات مرتبطة بمؤسسات سيادية.


وكان مشروع القانون قد أثار انتقادات خلال مناقشاته داخل البرلمان، إذ رأى بعض النواب أن الصلاحيات الممنوحة للهيئة قد تسمح لها بالحلول محل الحكومة في العديد من الملفات، باستثناء وزارتي الأوقاف والشباب والرياضة.


وقال مصدر قريب من الحكومة والبرلمان إن تمرير القانون جاء في ظل ضغوط قوية، موضحًا أن بعض النواب الذين أبدوا اعتراضات على التشريع تعرضوا لضغوط للتراجع عن مواقفهم، مع وجود رغبة في تمريره بالإجماع.


وأضاف المصدر أن تأخر إصدار القانون رغم عمل الهيئة لأكثر من أربع سنوات يرجع إلى دراسة الهيئة لطريقة عمل أجهزة الدولة المختلفة قبل وضع إطار تشريعي يحدد أهدافها وآلياتها.


وفي المقابل، دافع مسؤولون عن الهيئة عن أهمية القانون، مؤكدين أن مستقبل مصر تمثل أداة لإعادة تنظيم استغلال موارد الدولة وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقة، ودعم التنمية الاقتصادية.


وتؤكد حكومة السيسي أن الهيئة تأتي ضمن رؤية لإدارة الأصول العامة وتحقيق التنمية المستدامة، بينما يرى منتقدون أن اتساع صلاحياتها يحتاج إلى ضمانات رقابية أكبر لضمان الشفافية وتحقيق عائد مباشر للمجتمع.


ويستمر الجدل حول مستقبل الهيئة بين من يعتبرها نموذجًا جديدًا لتسريع التنمية واستثمار موارد الدولة، ومن يخشى أن تؤدي صلاحياتها الواسعة إلى إعادة تشكيل بنية الإدارة الاقتصادية بعيدًا عن آليات الرقابة التقليدية.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/07/16/feature/politics/future-of-egypt-a-law-that-regulates-the-absence-of-law/